الشيخ محمد الصادقي
309
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
الاتجاه - رغم اختلاف النية - في القربان . وبطبيعد الحال كان التقبل لأحدهما دون الآخر محسوساً لهما لا يُنكر ، إذ لم يكن الآخر ليصدق ردَّه وتقبُّل الأوَّل بمجرد الإيحاء الخبر ، ولم يكُ يوحى إلى الآخر إذ لم يك تقياً ، أم ولا إلى الأوَّل إذ لم يثبت وحيه النبوءَة ، وعلى ثبوته لم يكن الآخر ليصدق وحيه ولا نبأه ، فليكن خارقة محسوسة في المتقبَّل علامةَ النجاح . إذاً فكأنه كان « قربانا تأكله النار » علامةَ النجاح ، والآخر له تأكله النار علامةَ السقوط ، ك « الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » « 1 » ولأن « قربانا تأكله النار » كان علامةً للرسالة ، فكان الخلاف بين ابني آدم حول وراثة النبوة عن آدم ، أم قصة الزواج ، ونسكت عما سكت اللَّه عنه . ترى وما هي ردة الفعل من المردود قربانه ؟ أيحاول في إصلاح نفسه فتُقَبَّل قربانه كما تقبل من الآخر ، أم يكظم غيظه دون إصلاح ولا إفساد ؟ كلَّا ! بل هي قولة بغيضة ثم فعلة شذيذة حضيضة : « قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ . . » حسماً لمادة التفاضل وحياة التعاضل ، وهذه ثالثة ثلاثة مما يحتمل في مسرح السقوط ، وما أجهلها وأرذلها ! ثم وما أعضلها حالًا واستقبالًا ؟ . هنا « فَتُقُبِّلَ » بصيغة المجهول توحي بغيب القبول من علام الغيوب ، وأنه هو المتقبِّل دون حمل أو فرض من أحدهما وتركه من الآخر ، فلا جريرة - إذاً - له توجب الحفيظة عليه وتهديده بالقتل ، إذ لم تكن له يدٌ فيه إلّا يد التقوى ، التي هي رصيد القبول من أيٍّ كان ، دون يد الطغوى التي هي رصيد الأفول والذبول . فخاطر القتل هو أبعد ما يرد على النفس وأردَءُه في هذا المجال : « تقريب القربان » . وعلى أية حال « قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ . . » حتماً لا مردَّ له ، أو وحتى إذا عكس الأمر ؟ كأنه نعم ، أم إلَّا إذا عُكِس الأمر ، وليس اللَّه ليعكس أمر التقوى والطغوى فوضى جزاف ، إذاً « لَأَقْتُلَنَّكَ » ! حتماً لا مرَّ له .
--> ( 1 ) ) 3 : 183